د. علوي القاضي / الشخصية المتناقضة
!!,,الشخصية المتناقضة،،!!
بقلمى : د/علوى القاضى.
... حينما يكون الفن هادفا ، والعمل رفيع المستوى من قصة وسيناريو وممثلين ، ينتج عملا رائعا يخلد فى تاريخ الفن
... فى مسلسل " رأفت الهجان " ، أفضل مشهد في تاريخ الدراما المصرية " مشهد النكسة " ، صدمة رأفت الهجان المحبوسة وراء قناع ديفيد سمحون واللي بيحاول يخفيها ، وبيحاول يظهر عكسها ويمثل الفرحة المزيفة ، ويعافر بكل حسرة إنه يمسك القناع اللي قرب يقع " تمثيل جوا تمثيل " ، انفصام وتناقض في الشخصية
... عامل زي الطير المدبوح وسط أعداؤه ويتظاهر بالفرحة علي هزيمة بلده
... أداء خيالى ، كيف استطاع أن يستحضر كل هذه المشاعر المتناقضة ويعيش هذه الشخصية في نفس اللحظة
... أعتقد أن الدوافع النفسية هى المحرك الرئيسى لسلوكيات أى فرد وهى مرتبطة بمشاعر الإنسان ورغباته وتختلف من شخص لآخر ، يوجد شخص هادئ وأخر مستبد - شخص متواضع وأخر متباهى بنفسه - شخص شجاع وأخر جبان - وغيرها من السمات الشخصية المتناقضة وهذه الدوافع منها : * ( وراثية ) ، وأخرى ( مكتسبة ) ، بها يتشكل كل فرد مختلف عن الآخرين فى دوافعه الخاصه به وحده والتى يتعامل بها
... الشخصية المتناقضة نوع من الشخصيات إهتم بدراستها علماء النفس والإجتماع ووصلوا إلى أنها شخصية مزاجية متقلبة لاثوابت لها ولاقيم
... وتظهر فى كثير من المتدينين ، تراهم يشربون الخمر وهو حرام ولايأكلون لحم الخنزير لأنه حرام أيضا ، هذه شخصية مزدوجة ومتناقضة ، متدينون مع لحم الخنزير وغير ذلك مع الخمر ، هذه صورة يظهر بها البعض من مزدوجي الشخصية ، ويمكن أن نقيس على هذا الموقف عديد من السلوكيات المتناقضة مثل التاجر المتدين ويحتكر السلع الضرورية
... والشخصية المتناقضة يصعب فهمها أو التعامل معها ، فهي تجمع بين الشيء ونقيضه في آنٍ واحد ، كثيراً ما تتصف بمزاجية الأطباع والسلوك وتتصف أيضاً بالسلبية المفرطة ، أراها شخصية منافقة ومنحرفة ثنائية اومتعددة التراكيب ، فهي تتلون حسب الظروف والبيئات والأزمنة وتعمل بلاضمير وبلارقيب وبلامبدأ
... ومثال ذلك ، تجد مواطناً ينادي بالحرية والديمقراطية ، وهو يحن لحقبة دكتاتور ، وآخر ينادي بإسقاط دولة الظلم وفي نفس الوقت يُقبِل يد الحاكم ويمدحه ، وثالث خطيباً يعظك بالصبر على البلاء والفقر ويعدك بالجنة وتجده مترف فى بيته !
... هذه الشخصية المضطربة يتميز سلوكها بكل شئ وعكسه بدون وسط ، متقلبة المزاج ، تارة فرحانة ، وتارة حزينة ، تحب لدرجة العشق ، وتكره لدرجة العداوة
... ممكن تكَوِّن علاقات كتير وتندمج إجتماعياً وفجأة تتضجر من أى أحد وتكره رؤيته ، تحب الأشياء جدا وفجأة تكرهها وترفضها ، وللأسف هذا النوع من الشخصيات علاقاته كلها مؤقتة وسريعة ويستحيل معها وجود حياة أسرية أوإجتماعية مستقرة لأنه غالبا يفضل البعد خوفا من الهجر
... إنفعالاته حادة وأفعاله وردودها مبالغ فيها
وهذا يؤذيه ومن معه ، ويتميز بإلإبتزاز العاطفي في علاقاته يعني عايشيين في دراما طول الوقت ، وهذا يسبب ضغط نفسي لمن يتعاملون معه ، سريع الغضب وحساس جداً ، أعذاره دايماً أقبح من أخطائه ، لاوجود للعقلانيه أوالمنطقيه في حل خلافاته ، وهذا يحول الخلافات البسيطة إلي كوارث
... هذا الإضطراب يبدأ من الطفولة بسبب سوء التربية والبيئة المحيطة بسبب ( تكرار التصرفات والأوامر المتناقضة ) ، ويظهر ذلك على شخصيتة
... زوجة صاحب ( شخصية متناقضة ) بعد إنفصالها عنه ، عثر على مذكراتها ، قرأ فيها " إلى من ستدخل حياته من بعدي " :
- إعلمي أنه رجل مزدوج التناقضات ، هو هادئ كالليل ، صاخبُ كموج البحر
- لونه المفضل الأسود فلا تلوني عالمه - هو يكره الألوان كثيرة الإشراقة - إنه رجل ذو رئتين سوداوتين - مولع بالسجائر فلا تقنعيه بالاقلاع عنها كنوع من الحب و الشفقة - هو لايكترث لشى ، تقبليه على طبيعته - مزاجه أسود أشبه برئتيه - يقلب صباحكِ إلى مأتم - لاتشاجريه مهما أستفزكِ - أحضري له قهوته بالقليل من السكر لتزول حدة غضبه - أعترف لكِ أنه عصبي بطباع نارية لكنه ذو قلب من جنة - يغفر لكِ خطاياكِ بسرعة - في داخله لين عظيم يخفيه بقناع القسوة - أنزعي ذاك القناع من على روحه - وداعبي الطفل المخبوء بين طياته - بعد أن يعود من العمل يزين وجهه بالعبوس - يقطب حاجبيه - حاولي إضحاكه وأرسمي البسمة على ثغره - لاأنكرُ أن لديه إبتسامة تأسر القلوب - حرام عليه أن يدفنها - أعذريه هو فوضوي - رتبي أوراق عمله وكأنه ذاهب إلى المدرسة - يحبّ زهرة الياسمين أعتني بها أسقيها وضعيها على واجهة المطبخ - لا تعبثي بعطوره وكتبه ومذكراته - أتركي أشياؤه في أماكنها ولا تخلطيها بأشيائكِ - تجنبي إثارة إزعاجه - في المساء ذهنه صاف كسماء بلاغيوم - يسرح كثيراً ويحدثكِ عن أحلامه - أصغي له بجدية وإن بدت طموحاته عبثية - إذا أختلق معكِ مشكلة بدون أسباب - تأكدي أنه يواجه حزناً خانقاً - أرغميه أن يفضفض فهو لايجيد التعبير عما يُؤلمه سوى بإصراركِ - سيرجع أحياناً ووجهه مليء بالكدمات ربما دخل في عراكٍ مع أناس لمجرد أنهم لايروقونه فمزاجه سوداوى متقلب - عالجي خدوشه و تعودي على حالاته تلك - أحبيه كثيراً - وعلميه كيف يكتسب شجاعة الإعتذار مثلما لديه شجاعة الخطأ - وأخبريه أنني أردتُ أن أسمع منه كلمة " آسف " عوضاً عن جملته الشهيرة " لم أقصد جرحكِ لكنكِ من أثرتِ غضبي"
... وهنا أدرك الزوج حجم وجعها منه , عاد إليها وتصالح معها قائلاً : " أنا آسف جداً و كلمة آسف قليلة بحقكِ "
... أحبابى : من أشد أنواع المعاناة هي المعاناة مع النفس ، عندما نشعر بالألم النفسي لكننا لانعرف ماهو بالضبط ولانعرف كيف نتعامل مع هذا الألم ، مثل المزاج المتقلب والمشاعر المتناقضة لانعرف ماذا نفعل
... هنا تكمن أهمية الذهاب للطبيب النفسي للتحاور معه ، لأن أفكارنا المتناقضة تخلق توترا عصبيا ، وينعكس ذلك كأعراض مرضية على أجسادنا ، وهى تنشأ عندما يتعارض : ما نريد أن نفعله , مع مانفعله فعلا أوماعلينا أن نفعله ، حيث يتصارع داخلنا الخوف من عواقب الإذعان للإرادة مع لوم الذات بسبب عدم الإذعان لها وهذه هى مشكلة المرض
... والحل يكمن فى الوعى بالذات ، لأن ما تمليه الإرادة أحيانا ينبع من الأنانية وحب الذات ، وأحيانا ينبع من حاجة نفسية حقيقية ، وعندما يعى الإنسان بحقيقة التناقض يبدأ فى مناقشة نفسه والوصول معها إلى حل وسط ، حتى يجنبها على الأقل معاناة المعاندة مع الواقع
..
. تحياتى ...
